img img img img

المقال رقم 2

كهوف الذاكرة القديمة

(الأمكنة)

إستبرق أحمد

– مسافرة.
– نعم.
– مصر؟
– طبعاً.
حوارٌ يتكرَّرُ عند تجهُّزي لرحلةٍ طويلةٍ، فمصرُ كعبتي، التي لا أفرّ منها إلّا لها، متجاهلة تماماً رهاب الأماكن العالية بمفزعاتها كافة ، متمنية ألّا يجلس بجانبي من يُشبهني بخوفه، ومحتالة على قلقي بقراءة كتاب، يجرُّ سلسلة هواجسي بعيداً،منتظرة لحظة الطمأنينة بقرب انتهاء الرحلة ،حين أرى من النافذةالضيقة: التدرجات اللونيّة للبحر الأحمر،تضاريس الصحراء المصرية،والعمائر الترابية الشاهقة،وأبتسم لفرحة صديقاتي الدافئة وسؤالهنّ المتكرر:هو إنت مش هـتعيشي عندنا بقا؟
لولا الذاكرة ماكنا:
لمصر كاريزما هائلة، فهي تصعد سريعاً درجات منازل المحبة، وحين أغترف من كهوف الذاكرة القديمة، المخاتلة، الغائمة، الانتقائية، فإن المفتتح الأول لصورتي في “مدرسة الأورمان” طفلة بفستان قصير، وضفائر مرفوعة بشرائط بيضاء، لارفاق لي، تنحني المعلمة تسألني ولا ملامح للحوار، أو تتراءى لي شطيرة المربى الملفوفة بالجرائد،أو فرحتي بشوكولاتة دائماً داكنة ومُرّة، أو حتى ليلة عطش أحدق بثلاجة المطبخ الغارقة في العتمة التي أخافها أيضاً، مع سؤال قائم حول صدق هذه اللقطات الاستذكارية حيث يُخبرنا الفرنسي بروست بأنَّ”الذاكرة الإرادية هي ذاكرة الفكر والعيون تعطينا مظهر الماضي وليست حقيقته”، ثم ينزلق ضوء إلى ممر في نهاية الثمانينات قبل وفاة والدي،حيث الأهرامات المُرحِّبة بزوارها فلا تذاكر ولا بوابات منيعة، والكازينوهات التي تقدم لي آيس كريم الفانيليا برذاذ من اللوز وعصير الليمونادة المُفضَّليْن لي، يلي ذلك مسبار الماضي، يكشف عن طَرَقات التحوّلات السافرة في الألفية، أزورها عام2010بدعوة من منتدى أدبي استعار مبنى اتحاد الكتاب بالمهندسين،فأبحث عما يخفف النوستالجيا،ألحظ تفسخ الأماكن وغيابها،لاأدرك كنه ما أحس به،لكنني أثناء ذهابي إلى معرض الكتاب في مدينة نصر،أرصد ذبذبات تعكس تعب الناس، اختناق البهجة،و تلاوة آيات الصبر في أشرطة سيارات الأجرة، فأشعر أن مصر:طيرٌحبيسٌ”يُفرفر”متخبطاً بجراحه،ولأني عابرة لم أدرك بأنَّ الراسين فيها والراسخين في علمهم بحالها لديهم كلمة السر لما سيحدث.
مصر كانت ناي الذكريات، حتى تولهت وتولعت بها منذ 2012فباتت البلد الأكثر ارتياداً، آتيها بوعي آخر مختلف،أراها نصاً مرئياًبطبقاتٍ متعددةٍ،شاهقةٍ للأعلى،وغائرةٍ للأسفل،مثال باهر لاستيعاب الأزمنة.
مصرالتي أزعم أنني أعرفها:
ألج باب الفتنة، كاميرا الحواس مصقولة أكثر، لتضعني في لقطة تأسيسية للمكان وواسعة جداً،أدرك أنني في مكان أليف،غامض،قاسٍ، متفجر بالتضادات والتناقضات، له سيرة ورواة كثر.
أصل،أجرُّ حقيبتي،أخرج من المطار، أدخل القصة السحرية، المعنونة بـ”نص مصر المرئي”، يطبق علي بتعاويذه، أنتظر الصديقات، تمر الدقائق، فأمارس عادة مستبدّة بالكتّاب،أراقب الوجوه، التي تخبرني عن شديد اختلاطها ومصريتها في ذات الوقت، وجوه تنثر بهارات الفكرة والخيال، ألتقطها لأعد طبختي في النص، فتطغى وتحوم روائح المعنى الرشيقة، ومصر لها خزينها الفائض بالقصص،أبحث عن علامات لتفكيكه،وتحليله وفهمه ولا أدعي استيعابي التام له،التاريخ هنا يمشي بمحاذاتك عند كل ركن وزاوية أو كلمة ورسمة أو التفاته، ولا تأفل كائنات الحكاية في فصولها وفضولها.
تقدمُ الصديقات، وهن صورة أخرى لمزيج مصر في تعدد منابتهنَّ الإسكندرانية والشرقاوية والتركية والقاهرية والصعيدية، تسير مركبة صديقاتي، بظهرها المحدودب”فيات بونتو الزرقاء” في القاهرة، داخل شوارع تتباين وتتفق على تراكم الزحام فنلعنه، يخفف ضيقنا مهرجان العبارات الضاحكة على ظهر المركبات، فتلتصق بنا مركبة ذات حكمة فارهة فتخبرنا “بر الوالدين أهم من أمك وأبوك”، أو تنفخ أخرى نفيرها بغضب بأنها “للبيع علشان ترتاحو”، أو تنحرف أمامنا من توشم ظهرها ب”آه لو لعبت يا زهر”، وتتوالى أسماء عجيبة كـ”البرنسيسة هدى”، “الأمير علي”، ثم بغتة يظهر في جانب الطريق لامعا، مبهراً،آخذاً –هنا- من الطمي لونه، مختلفاً تماماً عن اكتمال عافيته في أسوان، فيعرفه الجميع أنه الحبيب،الذي لايُشبهه ولا يُداني جماله نهر، حين رأت صديقتي المصرية لأول مرة نهر موسكو ضحكت وتوالت كركراتها في ألمانيا وفرنسا، إذ لم تعتبره نهراً، وقد صدقت فـ”النيل نجاشي، حليوه…أسمر،عجب لونه دهب ومرمر”*، له رحلته، حكمته، مهابته، رهبته، طيبته،وه وحدته، أساطيره، والآن معاركه.
إمبابة العظيمة تواجه الزمالك الفنية:
ضفتان مختلفتان جداً، لاتفصيله تجمعهما، لكنهماعزيزتان على القلب،إمبابة للإقامة، والزمالك للتجوال،الأولى تستحوذ على سمعي، والثانية تستولي على نظري، ولا تقتصر الأمكنة على هاتين الحاستين فقط، لكنهما الأعلى.
في إمبابة، مدينة التحرير، أنصت مصغية لكل نأمة، وأستمتع بنداء البائعين في”كبيرة أوي…يامانجا”،كل البائعين لهم نداءاتهم المُلحَّة، والطريفة لايحيدون عن تكرارها. في البيت الصغير بأدواره الخمسة، ترجح كفة الأغنيات والبرامج والمسرحيات القديمة، فتتجلى أم كلثوم، ويشدو عبدالوهاب، وتأتي حكايات شهرزاد،والغواص المحترف في بحر النغم”عمار الشريعي”، ومسرحيات البرنامج الثقافي للإذاعة،وعروض عادل خيري أو فؤاد المهندس، زمن آخر مقتطع من الخراب، يخبرك أن هناك من يتخندقون في أمكنة تجعل الوقت بطيئاً في عالم لاهث، مما يحرضني على عزلة بها استجابة القراءة وانهمار كتابة. في إمبابة الأصالةُ مازالت موجودةً في غالبية الناس، وإن دكّت البيوت بقاماتها القصيرة، وتكاثرت أخرى،فازداد التوحش، تضاعفت متاهاتُها وإشتدت حدّة أضراسها، وتغيروا وتغيرت في جوانب لكنها تظل معروفة بمطعم “البرنس” المحتشد بالسمعة وطاولات الشارع وصوت المنادي بالمايكروفون، أوحلويات “سمايل” وكنافتها اللذيذة، والتي استعارت من الكنافة التي أعرفها اسمها فقط ، أو قهوة السرايا التي كلما اجتثوها انبعثت من جديد كنبتةٍ عنيدةٍ، أو حتى ربيع الجزار “باتمان إمبابة” في معاقبة العابثين أثناء الثورة.
ماذا عن الزمالك؟ تلك التي أزورها “بالصغيرة فيات بونتو” أو ببهجة الأتوبيس النهري، الذي يقطع عرض النهر الجليل،فألقي عليه السلام ويدوزن مرآه الروح، الزمالك تتجلى فيها حاسة النظر إلى روعة المعمار وتفاصيله،ترى قصر عائشة فهمي والفلل التاريخية بحدائقها البديعة، والسفارات في روعة التصاميم كمبنى الهندية، أسعد باللوحات التي تشير إلى كتّاب،فنانين،و روّاد أقاموا في المنطقة ، وكرم الزمالك بال”جاليريهات” الفنية والعروض المتباينة والغنية، بالشوارع الظليلة بصداقات الأشجار، والمكتبات، كديوان أو الكتابات الجدارية ولوحات الغرافيتي لطلبة كلية الفنون ، وكوبري 15 مايو الذي تندس أسفله ساقية الصاوي، وسينما الزمالك بمقاعدها الحمراء، وطرازها،أشياء كثيرة ومكامن،هكذا تطير أسراب من فراشات الغبطة، تجعل الزمالك وإمبابة مثل”بكيزة وزغلول” منطقتين متباينتين بشدة، يجمعهما أنهما ملجأ ومحبة.
وسط البلد الزاهي:
جوع للمعرفة ودروس مستمرة ،لا زيارة تكتمل لمصر إلّا بهذا الوسط، الذي يبدأ لدي بالمواقف السردابية التي تدفعنا مصاعدها إلى الأعلى، فتنفتح على المتحف المصري الذي زرته، ولا أنسى رقة ورق البردي في البركة التي تستقبلك أولاً، فتخفف بترحابها من رصانته. في وسط البلد نهب أنفسنا لشوارع لاتهدأ أسرارها،لم أكتشف شبكة شوارعها بأكملها، مشاوير بلا أشجار لكنها بمنارات وشواهد تسند النص، آتيها غالبا في جيبي موعد ما واستجابة لمهمة، لإعلان عن مهرجانات، ندوات، محاضرات،هناك أسعد بالاجتماع مع الكُتاب الأصدقاء وغير الأصدقاء في لقاءات مرتبة معهم، أو من دون موعد في مقاهٍ مشهورة بحضورهم، أهمها سابقاًمقهى “ريش” في ميدان طلعت حرب، عميد المقاهي التي يتكررالإشارة له، كعلامة أو حقبة مغايرة جمعت جلسات نجيب محفوط في إطارها و خليط من الشخصيات المثقفة و السياسية تشير الصور المعلّقة في أنحائه للأسلاف،أسس وساهم في نضالات مختلفة بينما يدافع الآن عن وجوده،متحديا النسيان والضمور، أول حضوره في سيرة العناوين كان في أمسية شعرية للصديقة الغالية”سوزان عليوان” عام 2012، من النادر،الذي يصعب تكرار أجوائها ، كنا محاطين بالشعر و الصوت ،جمهور كثيف، هائم وشغوف ،متحرر من ثقل ما كان. على نقيض تفاصيله تشتهر قهوة البستان” بأنها تمور بالحركة، و التي لم أجرؤ يوماً على اقتحامها، وكسر حاجز لا يشعرني بالتطفل على روادها،و من يعرف ربما زرتها قريبا. في وسط البلد أرخبيل آخر للمكتبات النشطة تتواجد في هذه الجغرافية الغنية إمكانية الغرق في مدارات دار المعارف،مدبولي،دار الشروق،آفاق، تنمية، دار بتانة، وهذه الأخيرة شاركت فيها بأمسية مع الصديقة سوزان خواتمي وأفراح الهندال من تنظيم دار صفصافة 2017،بحضور يتعرف علينا. أستمر فيراقبني متجهما المسرح القومي( حضرت مسرحية وحيدة وربما ستظل كذلك) إذ مازال يذكر ملاحظاتي،أما مجلتا روز اليوسف، وصباح الخير،المفضلتان لدى والدي، عثرت يوما عليهما في مكتبته فبت منذ سني الصغيرة ألاحق الكاريكاتيرات فيها وأقرأ نادية عابد/مفيد فوزي، أسير فألمح جريك كامبس الجامعة الأمريكية، ألتفت فيمثل أمامي المعبد اليهودي الذي حاولت تصويره مراراً خلسة وفشلت،أدلف إلى حديقة جروبي الهادئة،فأستريح بآيس كريم “كساتا” بطبقاته المبهرة التي لايغفر لك إن لم تعرفها.
خريطة وسط البلد هي نبض البلد، التي ازدحمت ميادينه بصيحات الرفض في عام 2011 فأيقظته.
الرحلات وجه ووجهة أخرى:
هل كتبت عن مصر؟ حقيقة لا، عرجت فقط للحديث عن أماكن لابد من المرور بها في رحلاتي، إلى جزء من القاهرة، لم أتحدث عن الإسكندرية بمقاهيها، ومعامل ثقافتها ومجلاتها، وبيت كفافيس، ومسرح سيد درويش، والبحر الأبيض المتوسط،والمعمورة، ومكتبة الإسكندرية، والقلعة، والإبراهيمية، وبرج العرب، ولا عن الرحلات الداخلية إلى الفيوم، وبحيرة قارون وغيطانها، وقرية تونس، وجزيرة أبو نعمة، حيث النوارس، وشاي فحم وسكينة، ولا سيوة وصفاءرملها، والسفاري وبساطتها، وجمال بحيرات ملحها، وكرم حاتمي لإنسانها،أو زيارة شرم الشيخ، والجونة،والشاطئ الشمالي في ترحاب زرقة البحر ومغاصاته،أما الأقصر وأسوان فهي الرحلة الحلم، التي تجبرك على الانصياع لمغامرات النيل الشاب والفراعنة،هناك الكثير مما لم أتحدث عنه،ربما أهمها أثر التواصل الإنساني و النتاجات المدوّخة والباهرة بجمالها لكُتّاب مصريين داخل الكويت أو في مصر ،عن أصدقاء/أجنحة وساحةالأدب المدهش الجاد والحقيقي والمتجدد والراصد، مصر التي رغم كلِّ ما يُلامسها من ألمٍ، يبقى صوتُها الثقافيُّ يحملُ كلَّ تنوُّعها وقوَّتها، ويرفدها بالبهاء والبقاء.